السبت، 26 سبتمبر 2009

المستقبل وصل ؟ المستقبل فات ؟







أثناء نبشى للخرابة عثرت على ذلك المقال ( المحذر حينها و المحزن حاليا ) للصحفى أحمد بهاء الدين فى عدد العربى رقم 283 و الصادر فى يونيو 1982 - شعبان 1402 .



قيمة المقال تكمن فى تاريخ كتابته منذ ما يقرب من 27 عاما .. حذر فيه الكاتب من تخلفنا عن التطور و من إمكانية تحولنا إلى العالم العاشر بدلا من الثالث .. لم يستمع أحد إلى ما حذر منه أحمد بهاء الدين و صرنا إلى ما صرنا إليه ..
و إليكم فقرات من المقال
حصاد رحلة الخريف :

المستقبل وصل
بقلم أحمد بهاء الدين ..



يبدأ أحمد بهاء الدين مقاله بعرض لرحلته السنوية لأوربا .. و علاقة الكاتب بوجه عام برحلت و كيف تؤثر فيه و كيف تثير أفكاره ..
و يعرض إلى تطور التعليم فى بريطانيا و نخلفه عندنا
و الديموقراطية و حرية الرأى فى بريطانيا و فرنسا كمثال و العكس بالطبع عندنا
و كيف تغلبت النظم الرأسمالية على جانب من مشاكل الإجتماعية الناجمة عن زيادة نسبة البطالة عن طريق الضمانات و التأمينات الإجتماعية التى تخفف وطأة البطالة .
ثم ينتقل إلى ثورة المعلومات ( و أذكر أن المقال تمت كتابته عام 1982 )
فيقول



" الرحلة التى لابد منها , فى باريس , إلى سان ميشيل و ما حول السوربون , فى مكتبات ...
بعد جولة فى أول مكتبة استهلكت ما لدى من طاقة , جلست على أول مقهى مع زميلى فى الجولة , الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى , و قلت له :
- مستحيل هذا عصر غير عصرنا ! اى شئ نقرأ و اى شئ نترك ؟ ... إن ضخامة المكتبات و غزارة الكتب و تجددها اليومى , ليس جديدا ولا غريبا ... و رد الفعل السنوى المبهج الشارح للصدر المحرك للعقل , الشاحن للمهمة ... لم يتغير منذ لقيت هذا المنظر لأول مرة قبل ربع قرن .... صحيح ان الإنسان يتقدم فى السن و تغلبه سنة الأيام على أمره .. فيقل نهمة و تضعف شهيته . و تقل قوة معدته .. و يصبح كمن أصابته الأمراض فصار يقف أمام المائدة الشهية الحافلة , و لكنه لا يقوى على الأكل , إنما ربما على التذوق فقط ..
و لكن المسألة أكثر من ذلك , فالعالم عندما إنكمش حجمه و صار صغيرا بحكم وسائل الإتصال إنعكس هذا على الثقافة كما إنعكس على كل شئ ..
قلت مستطردا للشاعر احمد عبد المعطى حجازى , و قد وضعت خدى على يدى : - أساتذتنا الكبار , عندما جاءوا يدرسون فى باريس ... كان إذا أراد أحدهم أن يتخصص فى الشعر مثلا ... لا يحتاج إلى معرفة أكثر من عشرين شاعرا فرنسيا و إنجليزيا و ألمانيا .. و الأن صار العالم كله واقفا على المسرح .. و أجهزة الترجمة ذات الكفاءة العالية و السرعة الهائلة فى عاصمة النور صارت تضع أمامك ألف شاعر . من اليابانى إلى الهندى إلى الأفريقى إلى الأمريكى اللاتينى ...
أليس هذا ما رأيناه فى قسم الشعر فقط فى هذه المكتبة وحدها ؟ كم شاعرا إذن عليك أن تدرسه و تكون على صلة بعالم الشعر و تياراته ؟ ..
و نفس الشئ ألم نجده فى قسم القصة و الرواية ؟ و فى قسم العلوم السياسية و الإقتصادية و فى قسم الفلسفة ؟ و كل هذا تحت سقف دكان كتب واحد ؟!
الا ترى يا صديقى أن مهمة السابقين كانت أهون بكثير من مهمتنا ؟ و ألا ترى ان مهمة الذين أتوا و سوف يأتون بعدنا أصعب بكثير ؟ او لعلها تكون شبه مستحيلة ؟
كيف يكون أستاذا فى فن الشعر , و أنا أختر أقل الفروع إنتاجا لخصوصيتها ؟ ستقول لى التخصص يزداد . فسيكون الواحد مثلا أستاذا فى شعر أمريكا اللاتينية فقط مثلا .. و لكن هذا ليس ردا شافيا . لأنه مهما ركز على نقطة فهو لن يكتسب عمق التجربة و قدرة الحكم دون المام بفن الشعر بوجه عام . فما بالنا بسائر الفروع ؟ فى الآداب و الفنون و الفكر - جعلت العالم كله واقفا على مسرح واحد .. فى متناول يدك , أيا كان تخصصك ( فلنتذكر أن الإنترنت لم تكن قد ظهرت بعد وقتها ) لا عذر لك فى عدم المعرفة , و المجهود المطلوب هائل ...!
اممكن هذا ؟ ام نحن على عتبات عالم جديد , سيجد حلولا جديدة لمشاكله الجديدة ؟ .. و اننا نرى نهاية عالمنا ؟



هل - يا ترى - المسئولون فينا مدركون ذلك ؟ .. المسئولون عن أجالنا الجديدة , التى قد تخرج و تنشأ فى عالمنا و لكنها تجد نفسها بعد قليل فى عالم جديد ... غير مهيأة له ؟






ثم يستمر أحمد بهاء الدين فى طرح بعض تداعياته عن عالمنا العربى فى ضوء رحلته تلك تحت عنوان جديد و هو



من أى أبار تخرج الموجات الجديدة ؟
حيث يعرض لإهتمام العالم الغربى بالعالم العربى و دراسة كل كبيرة و صغيرة فيه فى غفلة منا حتى يقول :
" ثم الصحوة الإسلامية و المد الجديد بين الشباب ... يلقى بهم فى غياهب جديدة و يلقون كل ما تعلموه عنا و فهمونا من خلاله خلال قرون الإستعمار الماضية : من هم هؤلاء العرب أهل و أصحاب و سكان هذه المنطقة الحيوية من العالم ؟ اى تفاعلات يمكن التنبؤ بها ؟ ما هى أبعادها و أعماقها ؟ عرفنا من أى أبار يخرج البترول , فمن أى آبار تخرج الموجات الجديدة ؟ و تدور الندوات و حلقات التحليل و التنقيب و التأليف .. هل هى موجة سياسية محلية متدثرة بشعار الدين ؟ ... هل هى مقدمات مواجهة إسلامية عربية تتجدد فيها سيناريوهات الحروب الصليبية ؟ هل يحمل هذا العداء و الإحتياط الشك كما يقول البعض ؟ .. هل الفرصة فى العالم الجديد فرصة حوار بين الحضارات ( لم يكن يتوقع وقتها تبنى فكرة صراع الحضارات بعد 20 عاما فقط من كتابته للمقال ) .. حوار لم يتم مع الأسف , كما كان ممكنا أيام هارون الرشيد و شارلمان ... و إلا كما يرى البعض امثال روجيه جارودى و جاك بيرك - لما وقعت الحروب الصليبية ..
ثم يعرض لفقدان فرصة إنتقال الحضارة سلميا من العرب إلى الغرب و يعيد التأكيد على تفحص الغربيين لنا ثم يصل للعنوان الأخير
هل نصبح العالم العاشر ؟
فيقول
" لقد أخذت معى قائمة طويلة بالكلمات الجديدة التى اتابعها بالقراءة , و أسأل فيها من أعرفهم من العلميين , لأحاول دراستها على الطبيعة .. بعد أن فرضت نفسها على إهتماماتى -منذ سنوات مثل : الميكرو كومبيوتر , الميكرو شيب , البيوتكنولوجى , الميكرو بروسيسور .. إلى أخره
و لعل غيرى يستطيع أن يركز على شرح هذه الأشياء فى حد ذاتها .. و غيرها كثير ..
و لكن وقفتى طبعا لم تكن عند الناحية العلمية المحضة .. و لكن كانت لتعقب الأثار الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية و التربوية الخطيرة التى بدأت تتركها فى العالم المتقدم و التى سوف تنعكس على حياتنا بأسرع مما نتصور و بأخطر مما نتصور ...
العالم الثالث مرشح ببساطة لأن يكون العالم العاشر !!
و يكفى أن نرى بلادا كانجلترا و فرنسا تحارب بأيديها و أسنانها .. حتى تضمن اللحاق باليابان و الولايات المتحدة فى هذا المجال( لم يكن هناك ذكر للصين فى ذلك المجال بعد :) ) .. و إلا فإنها ستسقط إلى درجة أقل من مستوى الشعوب و دول العالم الأول .. و يفوتها القطار ..
ان حكومة تاتشر التى تقتطع من الميزانية كل شئ ممكن .. من لبن الأطفال فى المدارس إلى إغلاق بعض الكليا ت ... لم تخفض مليما واحدا فى مجال وحيد هو : البحث العمى .. و قد أنشأت لأول مرة وزارة للصناعات المعلوماتية ..
ثم يعرض لقرلر الحكومة الإنجليزية بأن يكون فى كل مدرسة جهاز ميكرو كمبيوتر فى خلال سنة واحدة حتى يستطيع الشباب التعود على التكنولوجيا الجديدة



إن المقال مثير للحزن فقد جاء فى وقت لو توفرت فيه الإرادة السياسية و المجهود و الني الصادقة لقلصنا كثيرا من الفارق الحضارى و التكنولوجى بيننا و بين دول العالم الأول و لما أصبحنا فى مهب الريح و من دول العالم العاشر.
مواقع
أحمد بهاء الدين فى الويكيبديا
جمعية أحمد بهاء الدين

بحث هذه المدونة الإلكترونية